ابن كثير
443
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
رضي اللّه عنهما ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد : مدة طويلة نحوا من سنة ، فلما أكلتها دابة الأرض ، وهي الأرضة ، ضعفت وسقطت إلى الأرض ، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة . وتبينت الجن والإنس أيضا أن الجن لا يعلمون الغيب كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك . وقد ورد في ذلك حديث مرفوع غريب وفي صحته نظر . قال ابن جرير « 1 » : حدثنا أحمد بن منصور ، حدثنا موسى بن مسعود ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن عطاء عن السائب عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « كان نبي اللّه سليمان عليه السلام إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه ، فيقول لها : ما اسمك ؟ فتقول كذا ، فيقول : لأي شيء أنت ؟ فإن كانت تغرس غرست ، وإن كانت لدواء كتبت ، فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها : ما اسمك ؟ قالت : الخروب ، قال : لأي شيء أنت ؟ قالت : لخراب هذا البيت ، فقال سليمان عليه السلام : اللهم عم على الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا ميتا والجن تعمل ، فأكلتها الأرضة فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين » قال : وكان ابن عباس يقرؤها كذلك ، قال : فشكرت الجن للأرضة ، فكانت تأتيها بالماء ، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث إبراهيم بن طهمان به . وفي رفعه غرابة ونكارة ، والأقرب أن يكون موقوفا ، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني له غرابات وفي بعض حديثه نكارة . وقال السدي في حديث ذكره عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود رضي اللّه عنه ، وعن ناس من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رضي اللّه عنهم . قال : كان سليمان عليه الصلاة والسلام يتحنث في بيت المقدس السنة والسنتين ، والشهر والشهرين ، وأقل من ذلك وأكثر ، فيدخل فيه ومعه طعامه وشرابه ، فأدخله في المرة التي توفي فيها ، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا ينبت اللّه في بيت المقدس شجرة ، فيأتيها فيسألها : فيقول ما اسمك ؟ فتقول الشجرة : اسمي كذا وكذا ، فإن كانت لغرس غرسها ، وإن كانت تنبت دواء قالت : نبت دواء كذا وكذا ، فيجعلها كذلك ، حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة ، فسألها : ما اسمك ؟ قالت : أنا الخروبة ، قال ولأي شي نبت ؟ قالت : نبت لخراب هذا المسجد . قال سليمان عليه الصلاة والسلام : ما كان اللّه ليخربه وأنا حي ، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس ، فنزعها وغرسها في حائط له ، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا على عصاه ، فمات ولم تعلم به الشياطين ، وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج
--> ( 1 ) تفسير الطبري 10 / 358 .